أبو البركات بن الأنباري

61

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

الفعل ، كما كانت الألف في اليماني « 1 » عوضا عن إحدى ياءي النسب ، والذي يدل على أنها عوض عن الفعل أنه لا يجوز ذكر الفعل معها ؛ لئلا يجمع بين العوض والمعوض ، ونحن وإن اختلفنا في أنّ « أن » هاهنا هل هي بمعنى إن الشرطية أو أنها في تقدير لأن فما اختلفنا في أن « ما » عوض عن الفعل ، وكذلك أيضا قولهم « إمّا لا فافعل هذا » تقديره : إن لم تفعل ما يلزمك فافعل هذا ؛ لأن الأصل في هذا أن الرجل تلزمه أشياء ، فيطالب بها ، فيمتنع منها ، فيقنع منه ببعضها ، فيقال له « إمّا لا فافعل هذا » أي : إن لم تفعل ما يلزمك فأفعل هذا ، ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال وزيدت « ما » على « إن » عوضا عنه فصارا بمنزلة حرف واحد ، والذي يدل على أنها صارت عوضا عن الفعل أنه يجوز إمالتها فيقال « إما لا » بالإمالة كما أمالوا « بلى » و « يا » في النداء ، فلو لم تكن كافية من الفعل وإلا لما جازت إمالتها ؛ لأن الأصل في الحروف أن لا تدخلها الإمالة ، فلما جاز إمالتها هاهنا دل على أنها كافية من الفعل ، كما كانت « بلى » و « يا » كذلك ، وكذلك أيضا قالوا « من سلّم عليك فسلّم عليه ومن لا فلا تعبأ به » وتقديره : ومن لا يسلم عليك فلا تعبأ به ، وقال الشاعر : [ 33 ] فطلّقها فلست لها بندّ * وإلّا يعل مفرقك الحسام أراد : وإلّا تطلقها يعل ، وكذلك قالوا « حينئذ الآن » تقديره : واسمع الآن ، ومعناه أن ذاكرا ذكر شيئا فيما مضى يستدعي في الحال مثله فقال له المخاطب « حينئذ الآن » أي : كان الذي تذكره حينئذ ، واسمع الآن ، أو دع الآن ذكره أو [ 38 ] نحو ذلك من التقدير ، وكذلك قالوا « ما أغفله عنك شيئا » وتقديره : انظر شيئا ، كأن قائلا قال « ليس بغافل عني » فقال المجيب : ما أغفله عنك شيئا ، أي انظر شيئا ، فحذف . والحذف في كلامهم لدلالة الحال وكثرة الاستعمال أكثر من أن يحصى ؛

--> ( 1 ) اليماني : نسبة إلى اليمن ، وأصل القياس أن يقال « يمني » بلفظ المنسوب إليه مضافا إليه ياء مشددة ، ولكنهم حذفوا إحدى الياءين وعوضوا منها ألفا بعد الميم ، ونظيره قولهم شآم في النسبة إلى الشأم .